01 - 10 - 2026

لحظة فارقة في تاريخ مصر | الحكم المدني والتعامل مع ملف الإسلام السياسي كمقدمة لإصلاح السياسة

لحظة فارقة في تاريخ مصر | الحكم المدني والتعامل مع ملف الإسلام السياسي كمقدمة لإصلاح السياسة

لم يكن سؤال "ما العمل؟" في أي مجتمع من المجتمعات سؤالاً يخص النخبة الحاكمة وحدها، هذا ما تؤكده الاستشهادات والأدلة من الخبرة التاريخية لكثير من الشعوب، خصوصا في اللحظات المصيرية والفارقة في تاريخها، فهو سؤال يتعين ولا بد أن يشغل كل القوى المهمومة بمستقبل الأمة، وهو سؤال من الخطورة تركه لفريق واحد وانتظار إجابة منه. فمن غير المتوقع أن تلبي أي إجابة تقدمها أي من الجماعات أو القوى طموحات أو توقعات الغالبية الساحقة من المواطنين. لكن تظل هناك دائما فرصة لأن تتمكن أي من هذه الإجابات من فرض نفسها، إما نتيجة لتوافق إرادات العديد من القوى السياسية والاجتماعية الفاعلة، أو حتى نتيجة لقدرة الإجابة المقترحة على التعامل مع التحديات التي يفرضها الواقع في لحظة محددة. 

وبالنظر إلى حالة مصر، فإن طرح هذا السؤال لم يعد ترفًا فكريًا، لاسيما في تلك اللحظة التي تشهد فيها تحديات اجتماعية وتجاذبات سياسية بشأن المسار الذي يتعين أن تمضي فيه، وسط مؤشرات يمكن قياسها على هدر الإمكانيات والطاقات الكامنة لدى غالبية المواطنين، بسبب النظر إليهم باعتبارهم قاصرين وغير جديرين بأن يكونوا شركاء في إدارة شؤونهم أو حتى لاختيار من يديرونها، في أفضل التقديرات، أو باعتبارهم عبئاً ثقيلاً في أسوئها. 

من غير المتوقع، ولا ينبغي توقع، أن تكون هناك إجابة واحدة على هذا السؤال، وإنما هناك إجابات متنوعة، وأفضل الإجابات لا تكون عادة ثمرة تفكير فردي أو رؤية شخصية، مهما توافرت لهذا الفرد من المعلومات والبيانات والدراية ومهما امتلك من صلاحيات وسلطات، وحتى لو توافرت مثل هذه الرؤية فمن الأفضل تطويرها من خلال النقاش المفتوح والمستمر فيما بين القوى السياسية والاجتماعية المنظمة، كي تكون الإجابات مؤسسة على فهم واضح لطبيعة المصالح الاجتماعية التي تدافع عنها هذه القوى وما قد تفرضه هذا الفهم من ترتيب للأولويات، ومن المهم كذلك، أن يجري بناء توافق عام حول هذا الترتيب للإجابة على السؤال من أين نبدأ؟ 

هذه المسألة قد تبدو بديهية وتتعلق بأبجديات العمل السياسي، لكنني أظن، ومن واقع تحليل الأحداث اللاحقة على تنحي الرئيس حسني مبارك في 11 فبراير 2011، أن الوضع في مصر أكثر تعقيداً بسبب ضعف التنظيمات السياسية وما تعاني منه من انقسامات شديدة ذات طابع أيديولوجي من ناحية؛ ونتيجة لعدم وضوح مفاهيم أساسية مثل الدولة والحكومة والسلطة ونظام الحكم في أذهان النخبة المثقفة والجمهور العام والتداخل فيما بين هذه المفاهيم مما يسبب حالة من التشوش وعدم وضوح الرؤية، من ناحية أخرى؛ وبسبب سيطرة الهاجس المتعلق بمنع تكرار ما حدث في عام 2011 على النخبة الحاكمة من ناحية ثالثة، مع الإصرار على عدم محاولة فهم لماذا وصلنا إلى لحظة الصدام في 25 يناير 2011 وما بعدها. وتتعدد التفسيرات لهذا الوضع وتتباين التصورات حول كيفية معالجته، وهو أمر لا يساعد على بناء توافق عام على أولويات برنامج الإصلاح ولا على الغايات المرجو تحقيقها من هذا الإصلاح، أو كيفية تدبير الموارد والطاقات اللازمة لتحقيقه. 

الأمر الذي أبرزته تطورات ما بعد 2011، هو التحدي الذي تمثله جماعة الإخوان المسلمين بوصفها الجماعة الأم لما يعرف بتيار الإسلام السياسي بفصائله المختلفة، وهو تحدي يتجاوز اللحظة إذ أن له جذور تاريخية تعود لعام 1928، الذي شهد تأسيس الجماعة، ولا يزال قائما حتى هذه اللحظة، كما أنه يتجاوز أيضًا الجماعة بسبب إشكالية العلاقة بين الدين والدولة في التقاليد الإسلامية، وأن أي معالجة لملف الإصلاح السياسي والحكم المدني تتطلب بداية التعامل مع هذا التحدي.

تحدي الإسلام السياسي 

أشار صديق لي في تعليقه على مقال من الشراكة الاستراتيجية المضطربة إلى الاستقلال الاستراتيجي الممكن، إلى أن السبب الرئيسي للمشكلة في مصر إنما يتمثل في "تغلغل الإسلام السياسي داخل المجتمع المصري"، وأن هذه التغلغل ليس "تنظيميًا" وحسب وإنما هو تغلغل "فكري"، كان نتيجة سياسات تعود إلى عهد الرئيس جمال عبد الناصر الذي قوض بدايات التطور الديمقراطي في مصر ووضع بذرة الإسلام السياسي، ثم تعززت هذه الجماعات خلال حكم الرئيس أنور السادات وبتشجيع من الولايات المتحدة وبدعم الأموال السعودية لمواجهة الشيوعية. ويرى الصديق، وهو ضابط سابق في القوات المسلحة وشارك في حروب مصر المختلفة، أنه نتيجة تغلغل هذه الجماعات فكريًا، فإن السياسات الأمنية لمواجهتها تؤدي فقط إلى نمو أفكارها وانتشارها وترسخها في المجتمع، الأمر الذي دفع التيارات السياسية الأخرى، بما في ذلك الحكومات التي واجهت عنف هذه الجماعات بقبضة حديدية إلى مهادنتها والتعامل معها انطلاقًا من الأرضية الأيديولوجية ذاتها، لأن من يعادي هذه الجماعات فكريًا معرض لاتهامه بمعاداة الدين. 

ولاحظ الصديق في تعليقه، أنه في ذروة المواجهة مع جماعة الإخوان المسلمين في مصر في أربعينيات القرن الماضي، وفي أعقاب اغتيال رئيس الوزراء، محمود فهمي النقراشي، فإن إبراهيم عبد الهادي، رئيس الوزراء الذي خلفه، والذي نكل بالجماعة قال جملته الشهيرة "هم يقولون إسلام.. إحنا نقول إسلام أكثر منهم". أدى هذا الأسلوب في المواجهة الذي يعتمد على القبضة الأمنية وإهمال المواجهة الفكرية مع الجماعة وأيديولوجيتها، والذي استمر حتى الوقت الراهن إلى ضرب الفكرة الأساسية للوطنية المصرية، التي ترسخت مع ثورة 1919، وفي حزب الوفد، والتي أسست للهوية الوطنية الجامعة للمصريين على أساس غير أساس الهوية الدينية من خلال الشعار الشهير "الدين لله والوطن للجميع". 

للمسألة أبعاد أوسع تتصل بصميم الصراع على هوية مصر خلال الثلاثينات والأربعينات، وبتراجع فكرة الهوية المصرية لصالح هوية أخرى صاعدة تستند إلى الإسلام والعروبة، ولم يكن هذا الصراع بعيداً عن الاستراتيجية البريطانية في منطقة شرق السويس، الأمر الذي كان يقتضي منها العمل على تعزيز ارتباط مصر ثقافيًا واستراتيجيًا بالمنطقة.  

في الدراسة التي أعدها الرئيس عبد الفتاح السيسي في عام 2006 عن الديمقراطية في الشرق الأوسط، حين كان يدرس في كلية الحرب الأمريكية، أشار إلى أن "الطبيعة الاستراتيجية للمنطقة، المقترنةً بالطابع الديني لثقافاتها، أدت إلى بيئة لا تساعد على مواجهة التحديات التي تعترض إرساء الديمقراطية في أرجاء المنطقة على المدى القريب". ولهذا الاستنتاج على ما يبدو تأثير ما على رؤيته للدولة وكيفية تنظيمها. إن الرسالة التي أعدها الرئيس السيسي عندما كان ضابطًا، تكشف وعيًا بطبيعة التحديات التي تواجهها أي عملية للانتقال الديمقراطي في مصر وفي المنطقة العربية، لكن السؤال يظل: هل يشكل هذا الوعي بالتحديات لدى الرئيس مبررًا لاستمرار النهج غير الديمقراطي في الحكم، أم من الأفضل أن يكون حافزًا يساعد على التغلب على هذه التحديات؟ الإجابة على هذا السؤال تعتمد على مدى اقتناع الرئيس بأن الانتقال إلى نظام مدني ديمقراطي هو السبيل لبناء نظام سياسي مستقر يوفر الضمانات المؤسسية اللازمة لحماية عملية الإصلاح الاقتصادي التي يقودها كي تنال مصر المكانة التي تستحقها على المستوى العالمي. 

لكن هل الأمر مرهون فقط بوعي الرئيس، أم أن هناك مشكلة أعمق تتعلق بعدم قدرة الجماعات السياسية الأخرى، بما في ذلك بعض التيارات التي تنتمي إلى اليسار والليبراليين، التي كانت ولعقود طويلة خصما رئيسيا لتيار الإسلام السياسي، على بلورة رؤية للتعامل مع هذا التحدي؟ لقد دخلت بعض الفصائل السياسية التي تنتمي لهذه التيارات الليبرالية واليسارية في تحالفات مع فصائل الإسلام السياسي ضمن جبهات مؤسسة على قضايا التحرر الوطني ومواجهة الاستبداد السياسي الذي لم يكن موجها لهذه الفصائل وحدها، دون أن تبلور تصورًا واضحًا لشروط هذه التحالفات وحدودها. ثمة مراجعات مهمة لموقف تيارات اليسار في عدد من الدول العربية في أعقاب عام 2011، يمكن أن تكون أساسًا لتطوير رؤية ما للقوى الليبرالية وقوى اليسار، والبحث عن القواسم المشتركة لهذه الرؤية تحت لافتة "البرنامج المدني الديمقراطي".

الدين والديمقراطية   

يرتبط بهذا السؤال سؤال آخر حول الصيغة الأفضل للتعامل مع التحدي الذي تفرضه جماعات الإسلام السياسي التي بات من الواضح أنها لا تؤمن بأي نوع من الديمقراطية، سواء في صيغتها الليبرالية الغربية أو في صيغها وأشكالها الأخرى. 

تؤكد كثير من الدراسات الموثقة، ومن بينها الدراسة التي أعدها الرئيس السيسي نفسه، إلى أن أحد الإشكاليات الأساسية إنما تكمن في الثقافة الإسلامية السائدة، وليس فقط أيديولوجية جماعات الإسلام السياسي وفصائله المختلفة، وتتمثل هذه الإشكالية في تنظيم العلاقة بين الدين والدولة. وتشير التجربة الدستورية في معظم الدول العربية إلى وجود نص واضح ينظم علاقة الإسلام بشرعية نظام الحكم وبعملية التشريع، على النحو الذي تعبر عنه المادة الثانية في الدستور، التي تنص بوضوح على "مبادئ الشريعة الإسلامية"، والتي فسرتها المحكمة الدستورية بالمبادئ الكلية للشريعة الإسلامية. هذه المسألة تقف في صميم أزمة الهوية السياسية في مصر، كما بلورها عالم السياسة الأمريكي المصري الأصل نداف صفران في كتابه "مصر تبحث عن مجتمع سياسي: تحليل للتطور الثقافي والسياسي لمصر بين عامي 1804- 1952"، الصادر في عام 1961، والذي حلل مسار هذا التطور الذي انتهى إلى فشل مأسسة الديمقراطية الليبرالية التي عبر عنها دستور 1923، والذي يتحمل االمسؤولية عن هذا الفشل الإنجليز والملك وحزب الوفد والأحزاب الأخرى. 

هذه المسألة وثيقة الصلة بمسألة هوية مصر، والدور الذي يلعبه الدين والثقافة السائدة في تشكيل هذه الهوية. ولا يمكن لأي مراقب أو دارس منصف أن ينكر الدور الذي يلعبه الدين، سواء الإسلام أو المسيحية في صياغة الشخصية المصرية وفي تشكل هوية المصريين، وهذه النقطة تحديدا هي التي أدت إلى نص المادة الثالثة في دستور عام 2014، كحل يحقق التوازن مع نص المادة الثانية، دون التنبه للمشكلات التي قد يسببها هذا النص للتشريعات وفكرة القانون العام، ولا بالتأثير الذي يمكن أن تحدثه المادتان، على الهوية الوطنية الجامعة للمصريين، وقد بدأت بعض هذه المشكلات في الظهور، بالفعل، مع البدء في مناقشة قانون الأحوال الشخصية، وغيره من تشريعات. هناك دعاوى لأن تكون المبادئ المدنية التي تصون حقوق الأفراد وحرياتهم هي الفلسفة التي ينطلق منها التشريع وأن تكون الدولة هي الضامن لهذه الحقوق والحريات، وهو أمر لا يروق لبعض القائمين على أمر المؤسسات الدينية الراغبين في لعب دور كبير في تنظيم الشؤون العامة للمواطنين وفقًا لانتماءاتهم الدينية.

إن وجود مثل هذه النصوص، التي لا يمكن حتى التفكير في المساس بها، أو بترتيبها في الدستور، يُشكل أحد التحديات الكبرى أمام انتقال مصر إلى دولة مدنية ديمقراطية، لكن الأخطر أن وجودهما يقلص مساحات المجال العام للتفاعل بين المصريين كأفراد يتمتعون بحرية الاعتقاد وحرية اختيار أساليب العيش التي تناسبهم، وتجد المؤسسات المدنية للدولة، التي من المفترض أنها تقف على مسافة واحدة من الجميع وأن تحمي حقوق المواطنين وحرياتهم، بما في ذلك حرية الاعتقاد، مضطرة إلى التراجع في مواجهة أفكار تتعارض مع هذه الحقوق والحريات. تحدث الرئيس السيسي في هذا الأمر في أكثر من مناسبة، وكان في حديثه هذا أكثر شجاعة وجرأة من كثير من السياسيين، رغم إدراكه لصعوبة هذا التحدي. 

يرتبط بهذه النقطة إدراك الرئيس ليس فقط لمدى تغلغل نفوذ المؤسسة الدينية في المجال العام، وإنما أيضا للتقاطعات مع أيديولوجية جماعات الإسلام السياسي، لاسيما جماعة الإخوان، التي يرى أنها تشكل تهديدا مستمرًا للدولة وللمصالح الوطنية المصرية، وأيضا إدراكه لمدى هشاشة الأحزاب السياسية وضعفها في مواجهة جماعة الإخوان، الأفضل تنظيمًا وخبرة نظراً لكونها أقدم جماعة منظمة في مصر تمتلك قدرات مؤسسية وتعبوية تمكنها من الاستمرار، وانفتحت لها أبواب للتنظيم والحركة في الخارج تمكنها من حشد المعارضة السياسية للنظام الحاكم وتنظيمها، ولو من خلال رسائل رمزية، مع إبقاء النقاش حول شروط النظام المدني الديمقراطي مؤجلًا، حتى دون تقديم تنازلات شكلية اضطرت لتقديمها في الفترة السابقة على عام 2011، حول مدنية الدولة.

ثمة تحديات أخرى ناتجة عن الصراع مع إسرائيل، التي تصور نفسها، أو يجري تصويرها، على أنها ممثلة للمصالح الغربية في المنطقة، والتي توفر مصادر أخرى لتشويش الموقف من جماعات الإسلام السياسي، لاسيما مع صعود جماعات مثل حركة حماس أو جماعة حزب الله، وتصويرها باعتبارها فصائل المقاومة لإسرائيل. يُضاف إلى هذا التحدي تحدٍ آخر يتمثل في الثقافة السائدة لدى البيروقراطية الأمنية في الشرطة والجيش، والتي تدعم شرعية النظام السياسي من مسألة الديمقراطية، لاعتبارات تتعلق بأساليب العمل التي اعتادت عليها. من اللافت أن رسالة الرئيس السيسي المذكورة أشارت إلى هذا التحدي وتحدث عن ضرورة تطوير ثقافة لدى هذه البيروقراطية تُظهر التزاما نحو الأمة وليس نحو الحاكم.  

في مفهوم الدولة

ترتبط هذه النقطة تحديدا بمفهوم الدولة. لقد تحدث الرئيس السياسي أكثر من مرة عن الدولة. المرة الأولى، كانت في الخامس من مايو عام 2016، أي بعد عامين من انتخابه رئيسًا، حين قال في خطاب أذاعه التلفزيون، إن في مصر أشباه أو "أشلاء" دولة" ولا توجد "دولة حقيقية". وأوضح الرئيس ما يقصده من هذا التصريح الذي اعتبره مراقبون جارحا لكبرياء المصريين وعراقة التاريخ المصري، وقال إن "مصر بحاجة ماسة إلى قانون، ونظام، ومؤسسات قوية لكي تصبح دولة حقيقية يحترمها العالم"، مشيراً إلى أن بناء الدولة بهذا المعني يتم في ظل ظروف استثنائية وتحديات كبرى مرت بها البلاد وأثرت على بنيتها الأساسية، تتطلب اتخاذ إجراءات تتسم بالجرأة والإقدام وعدم التردد في اتخاذ القرارات الضرورية لفرض القانون والنظام وبناء المؤسسات القوية. وفي 31 يناير عام 2018، ميز الرئيس بوضوح بين رجل الدولة وبين السياسي، وقال "أنا مش سياسي"، مشيراً إلى أنه أمضى 50 عاماً يتعلم ما الذي تعنيه الدولة. وأضاف أن "الدولة لا تبنى بالكلام ولكن بالعمل والاجتهاد"، وطالب كل من يريد التصدي للشأن العام أن يعرف أولا ما الذي تعنيه "الدولة"، وجدد تعهده بإنشاء "أكاديمية لتعليم الناس ما معنى الدولة". والدولة عند الرئيس تعني الاستقرار والأمن، وهو ما تحقق بفضل سياسته وأن نقيض الدولة بالمعني الذي يفهمه يعني الفوضى والضياع. 

وفي كلمته أمام المؤتمر الاقتصادي، يوم 25 أكتوبر عام 2022، قال الرئيس "أنتوا مش عارفين يعني ايه دولة وبتهدوا بلادكم"، دون أن يوضح من الذي يخاطبه، رغم وضوح الفارق في ذهنه بين الدولة والشعب من ناحية، وبين النظام الحاكم من ناحية أخرى، حسبما أشار في كلمة بمناسبة الاحتفال بالعيد 74 للشرطة المصرية في 25 يناير الماضي، حين قال إن ما يقوم به من أجل حماية الدولة والشعب، وليس من أجل حماية النظام. غير أن المفهوم الذي يطرحه للدولة يُشير إلى اختزال هذه الدولة في مؤسسات فرض النظام والأجهزة التي تتولى مهمة تنفيذ القرارات التي تُتخذ وأن ما عدا ذلك يجب أن يخضع لهذه الدولة، التي يرى أنها في مواجهة تهديدات وتحديات خارجية وداخلية، ومن الواضح أن الرئيس ينتقد طريقة إدارة الشأن العام في العهود السابقة، خصوصًا فيما يتعلق بمراعاة التوازنات الاجتماعية والمحاذير التي منعت اتخاذ بعض القرارات الصعبة في برنامج الإصلاح. إن المفهوم الذي يطرحه الرئيس للدولة، هو أشبه بالدولة المستقلة عن أي قوى اجتماعية والتي تفرض إرادتها في مواجهة هذه القوى، والتي تعيد تشكيل المجتمع بما تملكه من أدوات ووسائل.

قصدت من هذا المقال تتبع ملامح رؤية الرئيس للوضع في مصر، ليس بقصد تبرير ما يجري من سياسات وإنما لفهم التعقيدات التي تدفع النظام في كثير من الأحيان إلى التصرف على نحو مغاير لهذه الرؤية، وإنما بقصد إطلاع القوى المعارضة في الداخل والخارج على طبيعة تحديات الانتقال إلى نظام مدني ديمقراطي يؤسس لمستقبل مستقر ولوضع أفضل تختفي فيه كل مظاهر الانتهاكات لحقوق الإنسان وتصاغ فيه التشريعات وفق فلسفة تؤكد احترامها للحقوق والحريات. 

أحد الإشكاليات الكبرى التي تطرقت لها في مقالات سابقة إلى تحدي انقسام النخبة السياسية في مصر الذي يحول دون بناء تصور مشترك للمستقبل. وكتبت قبل انتخابات الرئاسة في عام 2012 إن على الرئيس القادم أنه يدرك أن يقود مجتمعًا منقسمًا، ولسنا استثناء في هذا الصدد، وإنما أمر تعاني منه غالبية المجتمعات في الوقت الراهن بسبب حالة الاستقطاب الأيديولوجي والاجتماعي، التي تهدد الديمقراطية في كثير من الديمقراطيات الراسخة.   

هذا الانقسام لا يمكن التعامل معه إلا من خلال السياسة، وهذه نقطة بالغة الأهمية لأن مفهوم الرئيس للدولة وبناءها يخاصم السياسة، على ما يبدو، ففي 23 أغسطس 2016، قال الرئيس في لقاء مع رؤساء تحرير الصحف إنه يحكم "بلا ظهير سياسي، وإنما بظهير شعبي يحقق إجماعا وتوافقًا"، ورغم وعي الرئيس بأن هناك محاولات لإضعاف هذا التوافق على مستوى الظهير الشعبي، فإنه لا يرى أن التصدي لهذه المحاولات يتطلب العمل السياسي. قد يكون هذا الخصام للسياسة، ناجم عن طبيعة الرئيس الذي قال إنه "مقاتل" سنده الشعب. إن السياسة ضرورية لتعزيز الركيزة الثانية للحكم والاستقرار والمتمثل في كسب رضا المحكومين، فهذا الرضا هو الأساس القوى للشرعية والذي لا تعوضه مصادر للشرعية يبنيها خطاب إعلامي متهافت وغير قادر على التصدي للإعلام المناوئ في الخارج. إن فن الحكم هو مسألة سياسية بامتياز.
-----------------------------------
بقلم: أشرف راضي

مقالات اخرى للكاتب

لحظة فارقة في تاريخ مصر | الحكم المدني والتعامل مع ملف الإسلام السياسي كمقدمة لإصلاح السياسة